الشيخ السبحاني

308

بحوث في الملل والنحل

نوطاً ، فإنّها كانت أثَرة شُحَّت عليها نفوس قومٍ ، وسخت عنها نفوس آخرين ، والحكم للَّه والمعود « 1 » إليه يوم القيامة . ودع عنك نهباً صيح في حجراته * ولكن حديثاً ما حديث الرواحل وهلم الخطب في ابن أبي سفيان ، فلقد أضحكني الدهر بعد إبكائه ، ولا غرو واللَّه ، فيا له خطباً يستفرغ العجب ، ويكثر الأود . حاول القوم إطفاء نور اللَّه من مصباحه ، وسد فوّاره من ينبوعه ، وجدحوا بيني وبينهم شرباً وبيئاً ، فإن ترتفع عنّا وعنهم محن البلوي ، أحملهم من الحقّ على محضه ، وإن تكن الأُخرى ، « فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ » « 2 » « 3 » . ترى أنّ الإمام أوجز في الجواب وعطف نظر السائل إلى خطورة الموقف ولزوم الحرب مع ابن أبي سفيان ، قال ابن أبي الحديد : ولو أخذ الإمام يصرح له بالنص ويعرفه تفاصيل باطن الأمر ، لنفر عنه ، واتّهمه ولم يقبل قوله ولم ينجذب إلى تصديقه ، فكان أولى الأُمور في حكم السياسية وتدبير الناس أن يجيب بما لا نفرة منه ولا مطعن عليه فيه « 4 » . وأين هو من الجواب المبسوط الذي أتى به زيد بن علي كأنّه يريد أن يدرس العقائد في ساحة الحرب . ونحن نجل قائدنا المحنك من الكلام الخارج عن طور البلاغة .

--> ( 1 ) . المعود - بسكون العين وفتح الواو - كذا ضبطت في اللسان . وفي النهاية لابن الأثير : هكذا جاء « المعود » على الأصل ، وهو « مفعل » من عاد يعود ، ومن حقّ أمثاله أن تقلب واوه ألفاً ، كالمقام والمراح ، ولكنه استعمله على الأصل . ( 2 ) . فاطر : 8 . ( 3 ) . نهج البلاغة : الخطبة 163 . ( 4 ) . ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة : 9 / 251 ، الخطبة : 163 .